ضبابيّة المعايير التّربويّة وغياب خريطة الطريق

17-03-2021 | 00:00 المصدر: النهار

نبيل قسطة

ممّا لا شكّ فيه أنّ لبنان يشهد منذ فترة أزمات متفاقمة سياسيًّا واقتصاديًّا وماليًّا ونقديًّا وصحّيًّا… الأمر الذي أدّى إلى تضرّر عدد كبير من القطاعات أبرزها القطاع التّربويّ، الذي اهتزّ عندما تحوّل من حضوريّ إلى تعليم عن بُعد أو تعليم مدمج. 

بيد أنّ الحسّ التربويّ والوطنيّ دفع بعدد كبير من العاملين في القطاع التّربويّ الخاصّ والرّسميّ من مديرين ومعلمين وإداريين إلى استدراك الموقف، والعمل على وضع خطط تعليم بديلة طارئة، وإلى السّعي لتطوير مهاراتهم التّكنولوجيّة، وابتكار استراتيجيّات تطبيقيّة عمَليّة تواكب المرحلة الطّارئة والمستجدة، بغية إيصال المتعلّمين إلى نهاية السّنة الدّراسيّة بأقلّ خسائر ممكنة، لا سيّما في ظلّ غياب خطّة واضحة وموحّدة من قِبل الحكومة. 

وإذا سلّمنا جدلًا بأنّ طلّاب لبنان كلّهم يتابعون دراستهم عن بُعد – وهذا كلام غير دقيق- وإذا تغاضينا عن المعوقات الكثيرة أمام عمليّة التّعلّم عن بُعد – سواء لجهة عدم توافر الأجهزة الإلكترونيّة، أو انقطاع التّيار الكهربائيّ، أو ضعف شبكة الإنترنت – فلا يمكن التّغاضي أبدًا عن أمر في غاية الأهمّيّة، هو غياب #المعايير التّربوية الموحّدة في ظلّ الإقفال العام. 

فما هي المعايير التّربوية؟ وما أبرز خصائصها؟

من المعروف أنّ المعايير التربويّة هي الأهداف التي يتمّ وضعها واعتمادها من قِبلِ خبراءِ التّربية والتّعليم، لأجل الوصول إلى تحقيق المستوى الأكاديميّ المطلوب. وهي تتميز بمجموعةٍ من الخصائص أبرزها:

– الشّموليّة: أي انّ المعايير التربويّة تهتمّ بالبيئة التّعليميّة كاملةً، ولا تنحاز إلى قسمٍ من أقسامها. ومن هنا نشدد على أنّ الوقت قد حان للتعاون بين القطاعين الرسمي والخاص لأجل تحقيق العدالة والمساواة للمتعلمين كافّةً. 

– الاستمراريّة: أي انّ المعايير التّربويّة تتميز بتأثيرها المستمرّ في كل المراحل الدّراسيّة، حتى لو اختلفت الوسائل. لذلك علينا الكف عن مقارنة التعليم الحضوري بالتعليم عن بُعد وتقبّل واقع الأمر لاستمرارية أثر التعليم على كل المراحل والعمل على تطويره يوميّاً. 

– القابليّة للتّطوّر: أي قابليّة المعايير للتّحديثِ بما يتناسب مع التّطوّرات التكنولوجيّة.

– القابليّة للقياس: أي قياس مدى تطبيق هذه المعايير في المؤسّسات التّعليميّة.

 فضلاً عن معايير الأداء التي ترتبط بتقويم أداءِ المعلّمين داخل المؤسّسة التّربويّة، ثمّ دراسة أداء الطّلّاب، وقياس مدى فهمهم للموادّ الدّراسيّة. 

أخيرًا يبقى أكثر من سؤال: أين نحن من هذه المعايير؟ من يراقب؟ ومن يحاسب؟ ومن يسعى لإعطاء كلّ ذي حقّ حقه؟ فإذا كانت هذه المعايير كلّها غائبة، أو بالحدّ الأدنى متفاوتة بين مدرسة وأخرى نظرًا الى تفاوت الظّروف اللّوجستيّة والاجتماعيّة والمادّيّة وسواها… فكيف يمكن إجراء قياس موحّد لتلامذة صفوف الشّهادات الرّسميّة؟ وهل يكون هذا الحكم عادلاً؟ وكيف السّبيل لتطبيق معايير كهذه في بلد لا تتوافر فيه أدنى مقوّمات العيش الكريم؟

لنقطع الشك باليقين … نريد حلّا 

ألم يحن الوقت لكي نرحم التلامذة ونخفف معاناتهم هم الذين يتحملون كل الآثار السلبيّة الناتجة من التخبّط الذي يعانيه #القطاع التربوي؟

لقد مضى أكثر من عام على الجائحة، وما زال الجدل قائمًا حول فعّالية التعليم عن بُـعد. ومضت هذه الشهورُ كلُّها والتعليم عن بُـعد  ما زال غير حاصلٍ  في بعض المناطق الواقعة خارج العاصمة والمدن الكبيرة. لقد حاولت الدولة الاستعانة بالتعليم من خلال البث التلفزيوني، وهذا الأخير أيضًا لم يكن في متناول العديد من التلامذة أو جاء مختلفاً عما يدرّس في الصفوف. ناهيك بتعليق التعليم بشكل شبه كليّ لأيّام عدة بسبب عدم شمول أولوية الحصول على اللّقاح للقطاع التربويّ، ما يجعل التلامذة والمدارس والمعلمين رهائن لعدم التخطيط السليم والطويل الأمد ولتقاذف الاتّهامات بين المعنيين وعدم التعاون بين الوزارات. 

 لقد شارف العام الدراسيّ الانتهاء من دون وجود رؤية أو خطة تضمن نهاية سليمة من ناحية تحديد موعد الامتحانات الرسميةّ، وترشيق المناهج وتعديلها، وتقويم أداء المتعلمين وتحديد المكتسبات التعليميّة المحققة وغير المحققة للتمكن من بدء عامٍ دراسي يراعي المعايير التربوية ويضمن حقوق المتعلمين 

نحن الآن بحاجة لأن ننكبّ على العمل بسرعة لقطع الشك باليقين؛ نحن بحاجة إلى حلّ أو حلول لنضمن جودة التعليم عن بُعد وبالتالي فعاليته، فلا يخسر أولادنا فرصة الالتحاق بالمعاهد التقنية أو بالجامعات. فات الكثير ولم يبقَ الكثير من العالم الدراسي الحالي 

فإذا كان لا بدّ من إجراء امتحانات رسميّة، فليكن! ولكن يجب إعلان موعد الامتحانات أمس قبل اليوم، ناظرين بعين الإعتبار إلى ما يأتي: توفير مراكز للامتحانات تؤمّن شروط البيئة السليمة والمعقمة والتباعد المكاني. /  ترشيق المنهج الدراسي واقتصاره على المفاهيم الأساسيّة وإعلام المدارس بأسرع وقت. / إلغاء الشهادة المتوسطة واعتماد الامتحانات النهائية المدرسية للترفع.  

الشهادة الثانويّة العامة: اعتماد الزامية المواد المخصصة للفرع: مثلاً فرع الاقتصاد والاجتماع (لغة عربية – لغة أجنبيّة – رياضيات – اقتصاد واجتماع، أي 6 مواد من أصل 12)، فرع العلوم العامة (لغة عربية – لغة أجنبيّة – رياضيات – فيزياء – كيمياء، أي 5 مواد من أصل 9)، فرع علوم الحياة (لغة عربية – لغة أجنبيّة – رياضيات – علوم حياة – كيمياء، أي 5 مواد من أصل 9). 

 أما بالنسبة الى الصفوف في باقي المراحل التعليميّة فنقترح العمل على تحديد المستوى التعليمي للتلامذة في كل صف وفي كل مادة. وعلينا الاستفادة من الوقت الآن لا لاستعراض نتائج التلامذة في الاختبارات القياسية، وليس لنكتب عن تراجع معدل التحصيل المذكور في امتحانات TIMSS ولا للجدال إذا كانت النتائج دليلاً على تراجع مستوى تحصيل التلامذة، أو دليلاً على ضرورة إعادة النظر في ما تقدمه مناهجنا التربوية من مهارات ومخرجات تعليميّة. 

لقد أُحبِطنا كفاية؛ نريد حلاّ! نريد أدوات لنحدّد مستوى التحصيل التعليمي لدى الأولاد بحسب المرحلة العمرية والصفيّة. علينا إيجاد أواعتماد أداة تقويم ( evaluation tool)، تكون بمثابة “اختبارات تقويم محلّية” ( local evaluation tests) لكي نقيس ونوثّق الاستعداد الأكاديمي، وتقدُّم التعلُّـم، واكتساب المهارات والحاجات التعليمية. 

إذا “طنّشنا” ولم نقم بهذه الخطوة، أي إذا تابعنا العام الدراسي وكأن شيئًا لم يكن، نكون مرتكبين ما يُعتبر جريمةً بحقّ الاجيال الصاعدة وبحق الوطن، ونزيد الطين بلّة. من حق اهالي الطلاب علينا، وحق لبنان علينا، وحق التلامذة علينا نحن التربويين أن نتأكد إلى أي مدى كان نظام التعليم عن بُعد، ذاك الذي أوجدناه على عجل، هو فعلا ناجحًا وناجعًا بالفعل مثل التعليم الصفي. حق التلامذة علينا اعتماد الشفّافيّة والوضوح والتخاطب بطرق عملية وإنسانية مع مراعاة الضغوط النفسية والاجتماعية التي يمرون بها. من حقهم أن يعرفوا مصير العام الدراسي، والمواد المطلوبة منهم، موعد وكيفية إجراء الامتحانات مدرسيّة كانت أو رسميّة. فحرامٌ علينا أن نتركهم يتخبطون من دون خريطة طريق واضحة، وعيب علينا أن نحمّلهم أخطاء من المفترض أن  يُحاسب عليها من يفوقونهم عمرًا وإدراكًا وخبرةً! 

الأمين العام لرابطة المدارس الإنجيليّة في لبنان